تم عرض تقديمي لملف اقتراح التسجيل في قائمة الجرد الإضافي للممتلكات الثقافية لولاية عنابة، حيث يهدف هذا الملف إلى اقتراح تسجيل مجموعة من المعالم التاريخية الواقعة بالرصيف الشمالي لميناء عنابة ضمن قائمة الجرد الإضافي للممتلكات الثقافية، لما تمثله من قيمة تاريخية ومعمارية وعمرانية استثنائية، باعتبارها شاهداً على تطور المدينة ومينائها خلال القرن العشرين.
وتتمثل الوحدة التراثية الأولى في مقر مفتشية أقسام الجمارك بعنابة، الذي شُيّد بين سنتي 1910 و1912 وفق تصميم المهندس المعماري إدمون إدوار غوسولان (Edmond-Édouard Goussolin fils)، بعد هدم حصن اللقلق (Fort Cigogne) سنة 1908 في إطار مشروع توسعة الميناء. وقد أُقيم المبنى على جزء من موقع الحصن التاريخي، ليجسد مرحلة جديدة من التحول العمراني والاقتصادي الذي عرفته مدينة عنابة مع بداية القرن العشرين.
وحسب مديرية الثقافة والفنون لولاية عنابة، يعد هذا المعلم نموذجاً متميزاً للطراز المغاربي الجديد (النيو موريسكي) في العمارة الإدارية، حيث يتميز بواجهاته المتناسقة وزخارفه الثرية التي تشمل الحديد المطروق، والأقواس المتجاوزة، وتيجان الأعمدة المزينة بأوراق الأقنثة، مما يمنحه قيمة جمالية وفنية بارزة. كما ارتبط تشييده مباشرة بتوسع النشاط التجاري للميناء، خاصة مع تصدير خامات الفوسفات القادمة من مناجم الكويف وخامات الحديد المستخرجة من مناجم الونزة، وهو ما جعل ميناء عنابة أحد أهم الموانئ الجزائرية وبوابة اقتصادية رئيسية للبلاد خلال تلك الفترة.
أما الوحدة التراثية الثانية فتتمثل في المنشآت المينائية (المستودعات المقببة)، التي شُيدت خلال ثلاثينيات القرن الماضي (1930) لتلبية متطلبات الحركة التجارية المتزايدة بالميناء. وتمثل هذه المنشآت نموذجاً فريداً للعمارة الصناعية المينائية، حيث تمتاز بواجهاتها ذات الأقواس المتكررة والزخارف الهندسية باللونين الأزرق والأبيض، في تناغم يجمع بين الوظيفة الصناعية واللمسات المعمارية المتوسطية. وقد ظلت هذه المباني تؤدي دوراً محورياً في تخزين البضائع وتنظيم النشاط التجاري، لتصبح مع مرور الزمن جزءاً لا يتجزأ من الذاكرة التاريخية والعمرانية للواجهة البحرية لمدينة عنابة.
وتكتسي عملية تسجيل هذه الوحدات التراثية ضمن قائمة الجرد الإضافي أهمية بالغة، لما توفره من حماية قانونية تضمن المحافظة على أصالتها، وتمهد لإعادة تأهيلها واستثمارها في وظائف ثقافية وسياحية واقتصادية معاصرة، دون المساس بقيمتها التاريخية والمعمارية. كما يساهم هذا التسجيل في الحفاظ على الذاكرة الجماعية المرتبطة بتاريخ ميناء عنابة، وتعزيز المشهد الحضري للواجهة البحرية، بما ينسجم مع مبادئ صون التراث الثقافي وتحقيق التنمية المستدامة.
وتعد العملية، خطوة أساسية نحو ضمان حمايتها القانونية، والمحافظة على أصالتها، وتمهيد الطريق أمام برامج ترميمها وإعادة تأهيلها وتثمينها، كما سيسهم هذا الإجراء في نقل هذا الإرث الحضاري إلى الأجيال القادمة، وتعزيز مكانة مدينة عنابة باعتبارها إحدى أهم المدن التاريخية والمينائية في الجزائر.
وبخصوص المرحلة الثانية من المخطط الدائم لحفظ القطاع المحفوظ وتثمينه للمدينة القديمة: (الدراسة التاريخية والنمطية – التيبولوجية)، تكتسي هذه المرحلة أهمية خاصة، لكونها تمثل الركيزة العلمية والتقنية التي ستُبنى عليها مختلف عمليات الحفظ والاستصلاح مستقبلًا، حيث تتضمن التحليل التاريخي والتيبولوجي للمدينة القديمة وإعداد المشروع التمهيدي، من خلال توثيق المراحل التاريخية التي مرت بها المدينة، وإبراز خصائصها العمرانية والمعمارية، وتقنيات البناء التقليدية وموادها، إلى جانب دراسة البنية المورفولوجية للنسيج الحضري، وشبكات التزود بالمياه والصرف الصحي، ومختلف الشبكات التقنية، بما يسمح بإعداد تصور متكامل يحافظ على خصوصية المدينة القديمة ويضمن استدامة موروثها الحضاري.
ويأتي إعداد هذا المخطط تجسيدًا لأحكام القانون رقم 98-04 المؤرخ في 15 جوان 1998 والمتعلق بحماية التراث الثقافي، وتطبيقًا لأحكام المرسوم التنفيذي رقم 03-324 المؤرخ في 5 أكتوبر 2003 المحدد لكيفيات إعداد المخططات الدائمة لحفظ واستصلاح القطاعات المحفوظة، باعتبار هذا المخطط المرجع القانوني والتقني الذي يؤطر عمليات التدخل والترميم وإعادة التأهيل، ويضمن الحفاظ على الطابع التاريخي والمعماري للمدينة القديمة وفق رؤية علمية متكاملة ومستدامة.. وقد تم خلال هذه المرحلة المصادقة عليها من قبل اللجنة الاستشارية بمقر ولاية عنابة بحضور المفتش العام نيابة عن والي ولاية عنابة وصليحة برقوق مديرة الثقافة والمدراء التنفيديين، جامعة عنابة، وممثلي المجتمع المدني ومهتمي التراث، وكذا رؤساء الجمعيات الثقافية التراثية.
صبرينة ك
جريدة الجزائر اليومية الجزائرية