
دائما ما تضع السلطات في البلاد، تطوير الفلاحة ضمن أولوياتها، معتبرة هذا القطاع كواحد من الركائز الأساسية التي تراهن عليها لتحقيق الأمن الغذائي، ومنه تطوير الاقتصاد الوطني، وتعد إنشاء تعاونيات فلاحية متخصصة في كراء العتاد الفلاحي، أحدث آليات الدعم، التي ستسمح للفلاحين باستئجار الآلات الحديثة بأسعار رمزية، ما سيفتح آفاقا واسعة أمام الاستثمار الفلاحي ورفع المردودية.
تعد الفلاحة في الجزائر اليوم أكثر من مجرد قطاع اقتصادي، إنما الرهان الكبير، سيما في ظل التقلبات الجيوسياسية والاقتصادية العالمية، إذ انتقل الاهتمام بهذه المجال من مرحلة “الدعم التقليدي” إلى مرحلة “الاستثمار الاستراتيجي”. وتتجلى هذه الأهمية القصوى في التحول الجذري نحو الفلاحة الصحراوية، وتوطين التكنولوجيا الحديثة، وتشجيع الاستثمارات الكبرى التي تهدف إلى كسر التبعية للخارج، خاصة في المحاصيل الإستراتيجية كالقمح، البقوليات، والنباتات الزيتية.
ويعد هذا التوجه الذي انتهجته الجزائر في السنوات الأخيرة، لا يسعى فقط لتأمين المنتجات الفلاحية لتلبية طلب السوق الداخلية، بل يطمح لتحويل قطاع الفلاحة إلى القاطرة الأساسية التي تقود عجلة التنمية خارج قطاع المحروقات، مما يفتح آفاقا واعدة لخلق الثروة ومناصب الشغل في مختلف المناطق، سيما في المناطق الصحراوية.
وعملت الدولة، خلال السنوات الماضية، وفي سياق تطوير الفلاحة، إلى تقديم دعم متكامل، بهدف عصرنة القطاع وتخفيف الأعباء المالية عن الفلاحين، وقد شهد هذا الدعم تعزيزا سنة بعد سنة، ليصبح اليوم شاملا لمختلف الجوانب من تمويل، ومدخلات، والمكننة، هذه الأخيرة التي تعد أحدث آليات الدعم، فبعد الدعم المالي والقروض البنكية، مثل القرض “الرفيق”، قرض “التحدي”، قروض لتمويل غرف التبريد، وبعد دعم المدخلات الفلاحية من البذور والأسمدة، جاء دور دعم المكننة والعتاد، حيث أقرت السلطات مؤخرا إجراءات ثورية لتعزيز المكننة، منها تعاونيات كراء العتاد، حيث تم استحداث تعاونيات متخصصة تسمح للفلاحين باستئجار الآلات الحديثة بأسعار رمزية بدلا من شرائها، كما تم استحداث المجلس الوطني للمكننة، والذي يعد هيئة إستراتيجية لتنظيم وتوفير العتاد الثقيل خاصة في الجنوب، إضافة إلى الإعفاءات الجمركية، التي تسهل العتاد الفلاحي المستعمل -أقل من 5 سنوات- أو الجديد الموجه للمساحات الكبرى.
وقد جاء قرار إنشاء تعاونيات فلاحية، خلال ترأس رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، يوم 19 جانفي الجاري، اجتماع عمل خصص للمكننة الفلاحية، حيث قرر إنشاء تعاونيات متخصصة في كراء العتاد الفلاحي بهدف توسيع مساحات الأراضي المزروعة ورفع مردودية الإنتاج الفلاحي الوطني، كما قرر الرئيس استحداث مجلس وطني للمكننة الفلاحية.
ويؤكد الخبراء و المختصين في الشأن الفلاحي، أن التعاونيات المتخصصة في كراء العتاد الفلاحي، تعد حجر الزاوية في إستراتيجية النهوض بالقطاع الفلاحي، خاصة في ظل التوجه نحو تحقيق الأمن الغذائي وتقليص فاتورة الاستيراد.
وتكمن أهمية هذه التعاونيات ودورها في توسيع المساحات ورفع المردودية، -حسب المختصين- في تخفيف الأعباء المالية عن الفلاحين، والتي تعد أكبر عائق يواجههم، خاصة المستثمرين الجدد و الشباب، إذ أن التكلفة الباهظة لاقتناء العتاد الحديث من جرارات، حصادات، أنظمة ري ذكية، قد تكون عائق أمام استثماراتهم، غير أن التعاونيات توفر هذا العتاد عن طريق الكراء بأسعار مدعمة، مما يوفر السيولة المالية للفلاح لاستثمارها في البذور والأسمدة، كما أن مكننة المساحات الكبرى -خاصة في الجنوب- تساهم في توسيع المساحات المزروعة.
ويؤكد المختصون في الفلاحة أن وجود تعاونيات، توفر عتاد الحرث العميق وحفر الآبار الكبرى، مما يسمح باستصلاح آلاف الهكتارات التي كانت ستبقى أراضي غير مستصلحة لصعوبة التعامل معها يدويا أو بآلات بسيطة. كما أن المردودية عبر “الزراعة الدقيقة” لا تتعلق فقط بالمساحة، بل بكفاءة العمل، و التعاونيات المتخصصة تجلب عتادا متطورا لا يملكه الفلاح العادي، مثل آلات البذر الدقيق، التي تضمن توزيعا منتظما للبذور وتقليل الضياع، و كذا آلات الحصاد الحديثة، التي تقلل نسبة الضياع في المحصول أثناء الجني، مما يرفع آليا كمية الإنتاج النهائي.
كما أن توفر العتاد عبر التعاونية يضمن للفلاحين في منطقة واحدة إنهاء عملياتهم في وقت قياسي قبل تغيرات الطقس، مما يحمي المحصول من التلف ويحافظ على جودته.
رزيقة.خ
جريدة الجزائر اليومية الجزائرية