
تكتسي صناعة الألبسة الجاهزة في الجزائر أهمية بالغة، تتجاوز كونها مجرد نشاط تجاري، بل ركيزة أساسية مهمة لتنويع الاقتصاد الوطني، ومع التوجهات الحالية لتقليل فاتورة الاستيراد، يبرز إنتاج الماركات العالمية محليا كخيار استراتيجي يحقق معادلة طالما كانت صعبة، والمتمثلة في استفادة ثلاثية، سواء للشركات الأجنبية صاحبة العلامات، المستهلك الجزائري، والاقتصاد الوطني.
وقد شرعت الجزائر في السنتين الأخيرتين في إنتاج عدد من العلامات الأجنبية المعروفة عالميا في مجال الألبسة الجاهزة، ويعرف هذا التوجه، حركية أكبر سنة تلوى أخرى، حيث ارتفع عدد العلامات العالمية المصنعة محليا، ويعد تشجيع الماركات الأجنبية على الإنتاج في الجزائر ليس مجرد خيار اقتصادي، بل هو ضرورة لمواكبة التحولات العالمية، وتلبية للسوق الوطنية، فالمواطن لطالما كان شغوفا بالعلامات التجارية العالمية.
وقد احتضن فندق “الماريوت” بباب الزوار بالعاصمة، أمس وأول أمس، فعاليات صالون الماركات العالمية المصنعة في الجزائر made in DZ، برعاية وزارة التجارة الخارجية وترقية الصادرات، وبمشاركة واسعة لـ27 علامة تجارية عالمية المصنعة محليا، حيث تم عرض مختلف أنواع الألبسة لهذه العلامات الـ27، والتي أصبحت تنتج بالجزائر، حيث أكد ممثلو هذه العلامات رغبتهم الكبيرة في رفع عدد أصناف الملابس لكل علامة لتصبح منتجا جزائريا، كما أكدوا أنهم وبعد تحولهم إلى التصنيع المحلي، أصبحوا مصدرين لهذه العلامات العالمية لمختلف الأسواق الدولية انطلاقا من الجزائر، وبهذا تحولت هذه الماركات من “التصدير نحو الجزائر” إلى “الإنتاج داخل الجزائر” وتم تصديرها انطلاقا من الجزائر نحو مئات الوجهات الدولية.
ويرى المختصون أن هذه النقلة النوعية -الانتقال من الاستيراد نحو الإنتاج المحلي تم التصدير للأسواق العالمية- تخدم الأهداف التنموية للبلاد، المتمثلة في خفض التكاليف وتعزيز القدرة الشرائية، حيث أن إنتاج الماركات العالمية محلياً يساهم بشكل مباشر في خفض السعر النهائي للمنتج، ما يسهل على المواطن اقتناء منتج بجودة عالمية وبسعر “محلي” يتناسب مع قدرته الشرائية.
وحسب الخبراء، فإن التخلص من تكاليف الاستيراد والضرائب المرتبطة بالمنتجات الجاهزة المستوردة، يساهم بشكل معتبر في الحفاظ على الميزان التجاري، وحماية العملة الصعبة، في ظل سعي الدولة لضبط الواردات، إضافة إلى أن صناعة هذه العلامات العالمية محليا يساهم في خلق فرص العمل ونقل الخبرات، إذ لا يقتصر الأمر على مجرد كونه خياطة قطع القماش، بل يتعداه إلى بناء قاعدة صناعية صلبة، واكتساب اليد العاملة الجزائرية لمهارات التصميم، تسيير خطوط الإنتاج الحديثة، ومعايير الرقابة الصارمة التي تفرضها الماركات العالمية.
كما أن توطين العلامات العالمية يحول الجزائر إلى قطب تصديري، فالموقع الجغرافي للجزائر، ودخولها لعدة اتفاقيات تجارية ومنها اتفاقيات التجارة الحرة القارية الإفريقية، يجعلان من المصانع المحلية منصة لتصدير هذه الماركات نحو إفريقيا وأوروبا، ناهيك عن تحفيز قطاع النسيج الوطني، فدخول الماركات العالمية يشجع على تطوير نظام بيئي صناعي، حيث يدفع المصانع المحلية سواء كانت عمومية أو خاصة، على لتطوير منسوجاتها لتطابق المعايير الدولية.
انتقال من استيراد العلامات العالمية إلى التصنيع المحلي ثم إلى التصدير
قامت جريدة “الجزائر” بجولة بالمعرض وتقربت من مختلف ممثلي العلامات العالمية، حيث أكدوا أن كل أصناف الملابس المصنعة بالجزائر تحت اسم العلامات العالمية، تتمتع بنفس الجودة والمعايير العالمية التي تتمتع بها هذه الملابس في بلد العلامة الأصلي، وهو ما سمح حسبهم إلى تصدير المنتج المحلي لهذه العلامات العالمية إلى مختلف البلد ومنها البلد الأصلي لهذه العلامات بالتحديد.
وفي هذا الصدد أكد بودهدير إسلام، مسؤول بشركة “ثاكس ورد”، الممثل الحصري لثلاث علامات أجنبية، وهي “أوكايدي” و”بارفوا”، و”دوفراس”، أنه تم الانطلاق في التصنيع المحلي لهذه العلامات الثلاث في الجزائر مند عدة أشهر، وتتواجد بالسوق الوطنية، وتم توجيه منتجات علامة “بارفوا” للتصدير نحو 100دولة، في أوروبا، وأمريكا الشمالية وأمريكا اللاتينية وآسيا وإفريقيا.
وأكد المتحدث ذاته أن علامتي”اوكايدي” و”دوفراس” حاليا هناك مشاريع لتصديرها هي الأخرى نحو الأسواق الدولية على غرار علامة “بارفوا”.
أما حمزة حداوي، وهو مسؤول في شركة”ديناميك جينيرايشن وديناميك فرانش”، الممثل الحصري لعلامة “ديفاكتو” و”نوتيكا” في الجزائر، فأكد بدوره في حديث لـ”الجزائر”، أن علامة “ديفاكتو” التركية بدأت في التصنيع في الجزائر منذ سنة2024، وبدأت بعدة موديلات، وفي السنة الجارية سيتم التوجه نحو تصديرها نحو الأسواق الدولية، خاصة منها الدول العربية وهي مصر تونس، وليبيا، وكذلك للسوق التركي، مشيرا إلى أنه في الجزائر يتم تصنيع بعض الموديلات لهذه العلامة لا تتواجد حتى بتركيا التي تعد صاحبة العلامة، لدى يتم تصدير هذه الموديلات من الجزائر نحو تركيا، إضافة إلى دول أخرى آسيوية..
أما علامة “نوتيكا” وهي علامة أمريكية، فقال حداوي إنه خلال هذه السنة الجارية سيتم الانطلاق في التصنيع المحلي لها بالجزائر وكذا تصديرها لمختلف دول العالم التي لها الترخيص باستيراد هذه العلامة، وهي دول من مختلف القارات.
وبخصوص المادة الأولية، فأكد ممثل العلامتين، أنه يتم التعامل مع مصنع “تايال” بولاية غليزان، غير أن شركة”ديناميك جينيرايشن وديناميك فرانش” باشرت مشروع وحدة تصنيع خاصة بالشركة، وذلك في منتصف السنة الجارية، حيث يتم استيراد المادة الأولية، فيما يتم التصنيع في المصنع الخاص بالشركة إضافة التصنيع بمصنع غليزان، موضحا أن التوجه جاء لتنويع المويدلات أكثر المصنعة بالجزائر والتابعة للعلامتين، كون مصنع غليزان لديهم تصنيع لموديلات محددة.
أما أسعون أعمر، مدير تجاري بشركة “انفستكس الجيري”، الوكيل الحصري لـ7 علامات تجارية أجنبية، وهي “سيليوcelio “، “السي وايكيكي LC waikiki”، “الو alo”،” كامايو be camaieu”، “نعومي”، “العباءة الشرقية”، “الشال”، فقال في تصريح لـ”الجزائر”، إنه تم الشروع في تصنيع هذه العلامات الأجنبية بالجزائر منذ 2024، منها موديلات كانت خاصة بالسوق الوطنية، وموديلات كانت موجهة للتصدير مثل 5 موديلات لعلامة “سيلو” والتي قامت الشركة الأم باستيرادهم من الجزائر لتوزيعهم في أسواق دولية، منها السوق الفرنسية، والسوق التركية وغيرها.
وأكد المتحدث ذاته، أن تصنيع هذه العلامات العالمية في الجزائر يعرف توسعا أكثر فأكثر كل فترة زمنية، حيث أشار إلى الإنتاج كان في بعض العلامات محصور في 4 او 5 موديلات، ثم توسع إلى 8 موديلات إلى 15 موديل فأكثر لكل لون من كل علامة أجنبية، مؤكدا أن المادة الأولية متوفرة، واليد العاملة المؤهلة موجودة، وهذا ما يحفز الشركات الأم على مزيد من الاستثمار في علاماتها في الجزائر.
للتذكير، شارك في صالون الماركات العالمية المصنعة في الجزائر، العديد من المؤسسات الدولية والوطنية الناشطة في هذا المجال، وأشرف على افتتاح التظاهرة كل من وزير التجارة الخارجية وترقية الصادرات، كمال رزيق، إلى جانب وزيرة التجارة الداخلية وضبط السوق الوطنية آمال عبد اللطيف، بحضور المدير العام الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار عمر ركاش، المدير العام للجمارك اللواء عبد الحفيظ بخوش، وممثلين عن كل من وزيري الصناعة والرياضة.
واطلع الوفد على نماذج من منتجات العلامات العالمية التي يتم تصنيعها محليا، ووقفوا على قدرات المؤسسات الوطنية في مجال الإنتاج وفق المعايير الدولية، وكذا التجارب الناجحة في توطين العلامات التجارية الدولية في الجزائر.
وجاء تنظيم هذا الصالون، الذي استمر يومين واختتمت فعالياته أمس، في إطار تجسيد الاستراتيجية الوطنية الرامية إلى توطين العلامات التجارية العالمية، وتعزيز قدرات الإنتاج الوطني، بما يسمح بتسويق هذه المنتجات في السوق الوطنية وترقية الصادرات لاسيما نحو الأسواق الإفريقية.
وعرف المعرض أيضا مشاركة لافتة للعلامات والمنتجات النسيجية الوطنية التي تعرض تشكيلاتها من الألبسة المتنوعة والإكسسوارات الموجهة لمختلف الفئات والأعمار والأذواق.
رزيقة. خ
جريدة الجزائر اليومية الجزائرية