
تستقطب زيارة بابا الفاتيكان ليون الرابع عشر إلى الجزائر متابعة بالغة، بالنظر إلى أبعادها الهامة ومؤشراتها التي لا تقل أهمية، وهي الأولى من نوعها تاريخيا وأول محطة إفريقيا.
وتعتبر هذه الزيارة التي تتجاوز الأبعاد الدينية التي يمثلها الكرسي البابوي، لتتحوّل إلى فعل سياسي ودبلوماسي كبير ومهم للغاية، خاصة وأنها تبدأ من قلب إفريقيا النابض وهي الجزائر، التي تمثل جسرا يربط عالمين وقارتين.
زيارة البابا ليون الرابع عشر إلى الجزائر تحمل أبعادًا سياسية وتاريخية وحضارية
في هذا السياق أكد رئيس ديوان وزير الشؤون الدينية والأوقاف، الدكتور محند عزوق أن زيارة بابا الفاتيكان ليون الرابع عشر إلى الجزائر تندرج ضمن جولة خارجية تشمل عددًا من دول إفريقيا وأوروبا، وذلك بدعوة رسمية من رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، مشيرًا إلى أن الزيارة ستدوم أكثر من يوم وتحظى بمكانة دبلوماسية رفيعة باعتبارها “زيارة دولة“.
وأوضح عزوق لدى استضافته أمس ضمن برنامج “ضيف الصباح” للقناة الإذاعية الأولى أن هذه الزيارة ستشكل فرصة لاستعراض واقع العلاقات الثنائية بين الجزائر والفاتيكان، مؤكدًا أن ترقيتها إلى أعلى مستويات البروتوكول الدبلوماسي تعكس دلالات عميقة ذات أبعاد سياسية، تاريخية وحضارية.
وفي السياق ذاته، أبرز المتحدث البعد التاريخي للزيارة، حيث ستُستحضر خلالها شخصيتان بارزتان تجمعان بين الجزائر والعالم المسيحي، وهما القديس أوغسطين الذي يمثل جسرًا حضاريًا بين الفكر الإسلامي والغربي، وتبقى آثاره التاريخية شاهدة في ولايتي عنابة وسوق أهراس، إلى جانب الأمير عبد القادر الذي يُعد رمزًا وطنيا وعالميًا للتسامح والحوار بين الأديان، خاصة بعد مواقفه الإنسانية في حماية المسيحيين بسوريا خلال القرن التاسع عشر.
وأشار عزوق إلى أن هذه الزيارة تعكس أيضًا اعترافًا بالمكانة الجيو–ستراتيجية للجزائر على الساحة الإقليمية والدولية، باعتبارها دولة تنعم بالاستقرار وتسير نحو تحقيق نمو اقتصادي متواصل، لافتًا إلى تصنيفها ضمن أبرز الاقتصادات في المنطقة وفق أحدث لصندوق النقد الدولي وصنفها بأنها رابع اقتصاد في الوطن العربي والقارة الإفريقية إلى جانب دورها في الدفاع عن القضايا العادلة خلال عضويتها في مجلس الأمن الدولي.
كما شدد على أن الجزائر قدمت نموذجًا عالميًا في التعايش السلمي من خلال مبادرة العيش في سلام التي اعتمدتها الأمم المتحدة كيوم عالمي، مؤكدًا أن هذه المبادرة نابعة من العمق الحضاري للشخصية الجزائرية.
الجزائر تتبنى مرجعية دينية قوامها الاعتدال والوسطية
وفيما يتعلق بمحاربة التطرف، أكد المتحدث أن الجزائر تمتلك تجربة رائدة في هذا المجال، مستندة إلى ميثاق السلم والمصالحة الوطنية الذي ساهم في تجاوز آثار الأزمة التي عاشتها البلاد خلال تسعينيات القرن الماضي، وهو نموذج يمكن الاستفادة منه دوليًا.
كما تطرق إلى “المرجعية الدينية الوطنية” التي تقوم على الإسلام المعتدل، مشيرًا إلى دور الجزائر في نشر قيم الوسطية والتسامح، سواء داخليًا أو من خلال إرسال الأئمة إلى الخارج، خاصة خلال شهر رمضان، حيث تستعين عدة دول أوروبية، من بينها إيطاليا، بالأئمة الجزائريين لتأطير الجاليات المسلمة.
دستور الجزائر يكرس حرية العبادة
وعلى صعيد الحريات الدينية، أكد عزوق أن الجزائر تحرص على ضمان حرية المعتقد وممارسة الشعائر لجميع المواطنين دون تمييز، في إطار ما ينص عليه الدستور.
كما أشار إلى الإطار القانوني المنظم للشعائر الدينية لغير المسلمين، وعلى رأسه الأمر الرئاسي رقم 06-03 لسنة 2006، الذي يهدف إلى تنظيم الممارسات الدينية داخل الكنائس وليس تقييدها.
وفي هذا الإطار، كشف عن دعم الدولة للجالية المسيحية، من خلال المساهمة في ترميم عدد من الكنائس، من بينها كاتدرائية القلب المقدس وكنيسة سانت أوغسطين، إضافة إلى تسهيل إدخال الكتب الدينية واستقبال رجال الدين بالتنسيق مع الجهات المختصة.
وختم الدكتور عزوق تصريحه بالتأكيد على أن زيارة بابا الفاتيكان تمثل فرصة لتعزيز الحوار بين الأديان والحضارات، وإبراز تجربة الجزائر في ترسيخ قيم التسامح والتعايش السلمي.
زيارة البابا ليون الرابع عشر إلى الجزائر تحمل دلالات عميقة
كما أبرز الأمين العام لرابطة علماء ودعاة وأئمة دول الساحل، لخميسي بزاز، الأهمية التي تكتسيها زيارة البابا ليون الرابع عشر إلى الجزائر، مشيرا إلى أنها تحمل دلالات عميقة وتتجاوز الأبعاد الدينية لتشكل حدثا سياسيا ودبلوماسيا بارزا.
وفي تصريح لـوكالة الأنباء الجزائرية، أوضح بزاز أن “زيارة بابا الفاتيكان إلى الجزائر تتجاوز الأبعاد الدينية لتشكل حدثا سياسيا ودبلوماسيا بارزا، سيما وأن جولته إلى إفريقيا ستنطلق من الجزائر التي تمثل قلب إفريقيا النابض لما تحمله من ثقل تاريخي ومن رمزية،ما يجعلها جسرا رابطا بين عالمين وقارتين“.
وأضاف أن “ثقل ورمزية الجزائر ينبعان من كونها تحمل قيما حضارية وإنسانية عميقة،مما يجعلها مصدرا للإشعاع الفكري في كثير من الفضاءات، سواء تلك التي ننتمي إليها حضاريا أو جغرافيا أو الفضاءات الإنسانية“، مستدلا في ذلك بشخصية القديس أوغستين الذي “ترك تراثا كبيرا يحتل مكانة مرموقة في العديد من دول العالم، حتى أن كثيرا من المدن تحمل اسمه أو اسم والدته“.
وفي ذات السياق، استعرض بزاز شخصية الأمير عبد القادر الذي وقف لسنوات طويلة في مواجهة الاستعمار الفرنسي،كما “برز بموقفه الإنساني العظيم في سوريا بحمايته للمسيحيين في الفتنة الكبرى التي وقعت في الشام يومها،مما يثبت أن هذه الأرض أنجبت عظماء قدموا الكثير للإنسانية“.
كما لفت إلى أن هذه الزيارة تحمل “رسائل رمزية متعددة” من بينها السلام والحوار والتعايش بين الأديان، مشيرا إلى أن “المرجعية الدينية الوطنية وما يطبعها من وسطية واعتدال واحترام خصوصيات الآخر في الرأي وفي المعتقد وفي ممارسة الشعائر الدينية تعد من أوجه التسامح التي تسمو بالإنسانية“.
زيارة البابا ليون الرابع عشر تعكس مكانة الجزائر كمنارة للسلام
كما اعتبر رئيس المجلس الإسلامي الأعلى، مبروك زيد الخير، أن الزيارة المرتقبة للبابا ليون الرابع عشر إلى الجزائر تعد محطة استثنائية تعكس الإرادة المشتركة في ترسيخ قيم السلم والتعايش بين الشعوب.
وفي تصريح لـوكالة الأنباء الجزائرية، أوضح زيد الخير أن “الجزائر، وباستضافتها للحبر الأعظم، تستحضر تاريخها الطويل الذي تعاقبت عليه مختلف الحضارات وإرثها الإنساني القائم على التعايش والتسامح والذود عن قيم السلام، ما جعل منها جسرا للتواصل عبر التاريخ وصوتا مدافعا عن المضطهدين“.
وتوقف رئيس المجلس الإسلامي الأعلى عند شعار “السلام عليكم” الذي تحمله هذه الزيارة، والذي “يعبر عن فلسفة عميقة لمعنى السلم الذي أصبح ضرورة حضارية لحفظ كيان الأمم وحماية قيم الخير والتعاون“.
من زاوية أخرى، تعكس هذه الزيارة بعدا دبلوماسيا بتأكيدها على أن إطار العلاقات بين الدول يتجاوز مفهوم التوازنات السياسية،ليمتد أثرها إلى إحداث التغيير الإيجابي،بما يعرف بـ “القوة الناعمة“، يضيف زيد الخير،مشيرا إلى أنه وباشتراك الجزائر والفاتيكان في المفاهيم ذات الصلة بالقيم الإنسانية ونشر السلام، فإنهما “يقدمان نموذجا لما يمكن أن تكون عليه العلاقات الدولية حين تبنى على الحكمة والرؤية المتبصرة“.
كما تنطوي زيارة البابا ليون الرابع عشر على بعد إنساني عميق، حيث تشكل “فرصة للتذكير بضرورة نصرة المظلومين والوقوف إلى جانب الشعوب المستضعفة ونصرة قيم العدالة عبر كامل أصقاع العالم“، لتتحول الجزائر بذلك إلى “منصة للاتفاق والحوار البناء ومنطلقا لرسالة حضارية فاعلة،مفادها حماية الإنسان وصون كيانه وكرامته، وتجسيد التعايش المنشود“، يتابع زيد الخير. من جهة أخرى، لفت رئيس المجلس الإسلامي الأعلى إلى أن هذه الزيارة “تنطوي على بعدين: تاريخي وروحي، لارتباطها بإرث القديس أوغستين الذي نشأ على أديم هذه الأرض الطاهرة، والذي يمثل أحد أعمدة الفكر الإنساني“، حيث سيسمح استذكار مآثره وتعقب خطاه بوصل الحاضر بالماضي والتذكير بأن الجزائر كانت ولا تزال منبعا للقيم السامية ومثالا للاحترام والتسامح والتضامن، وهي كلها عناصر تأتي في صلب تعاملاتها مع الغير“.
ومن شأن كل ذلك أن يضفي على هذه الزيارة “زخما خاصا ومنحى استثنائيا، ما يجعل منها اختزالا لمعاني السلام والتسامح وحفظ الكيان الإنساني من التمزق والتصادم والصراعات“، يقول زيد الخير الذي خلص إلى التأكيد بأن الحوار بين الأديان والثقافات يعد ضرورة وجودية“.
وأشار في الأخير إلى أن الجزائر تسير على هذا الدرب “بكثير من الثقة والانفتاح الواعي والحفاظ على الثوابت الراسخة، مع تقديم الإسلام بوصفه نموذجا راقيا للعطاء ورسالة عالمية للسلام والعدل والتعاون“.
من جهته أكد شدّد الأستاذ الجامعي والأمين العام السابق للمجلس الإسلامي الأعلى، البروفيسور بومدين بوزيد على أن الزيارة التاريخية الأولى من نوعها التي سيجريها، ابتداءً من هذا اليوم، بابا الفاتيكان ليون الرابع عشر إلى الجزائر، تحمل رمزية ودلالات وأبعادًا دينية وتاريخية وحضارية، وحتى سياسية واجتماعية، وهو ما يعكس الاعتراف الدولي بالمكانة الهامة للجزائر كمنارة للسلام والتعايش واحترام حرية الأديان والممارسة الدينية.
وأوضح البروفيسور بومدين بوزيد أمس لدى حلوله ضيفًا على برنامج “ضيف الدولية” لإذاعة الجزائر الدولية، أن الجزائر باتت تقدّم للعالم نموذجًا للعيش معًا بسلام، وهي التي تتبنى في دبلوماسيتها مبادئ الحوار والسلام واحترام سيادة الدول ونبذ الكراهية والتطرف، مشيرًا إلى أن زيارة بابا الفاتيكان تحمل في طياتها جوانب ذاتية تتعلق بالبابا في حد ذاته، وأخرى تتعلق بالكنيسة الكاثوليكية وبالفاتيكان.
وأضاف بوزيد أن زيارة البابا ليون الرابع عشر إلى الجزائر تُعدّ انتصارًا للتيار التجديدي الذي بدأ منذ الستينيات داخل الكنيسة الكاثوليكية، حيث يُقرأ الدين المسيحي والكتاب المقدس بطريقة جديدة منفتحة على الأديان، ويرى هذا التيار أن الكنيسة الكاثوليكية ليست للمسيحيين فقط، بل للبشرية جمعاء والإنسانية، بعد أن تجاوزت منطق الانغلاق الديني والفكرة القائلة بأنه لا خلاص للبشرية خارج الكنيسة. ويمكن القول إن هذه الزيارة تؤدي وظيفة الدفاع عن السلم والعدالة، والاعتراف في الوقت نفسه بما اقترفته الكنيسة تاريخيًا، ضمن رؤية تهدف إلى تنقية الذاكرة.
ولفت بوزيد إلى أن حلول البابا بالجزائر يحمل رسالة ثقافية حضارية وسياسية، مفادها أنه “ينبغي أن يكون هناك تحالف بين الأديان، وبين أهل الإيمان وأهل الكتاب، من أجل الدفاع عن السلم في العالم“، وهو أمر لا يمكن أن تصل إليه الكنيسة دون الانفتاح على العالم الإسلامي. وكشف أن الرؤية الفاتيكانية تعتمد على الجزائر لتحرير إفريقيا من ذاكرة الألم، واعتراف الدول المستعمِرة سابقًا بما اقترفته من آثام وإبادات داخل القارة، في ظل ما ينتظرها من صراعات دولية، لذلك تدرك الكنيسة الكاثوليكية ما عليها، كما تدرك مسؤولية المسلمين والدول الاستراتيجية في المنطقة لانتشال القارة مما تعانيه.
وأشار بوزيد إلى أن المتتبع لتصريحات ليون الرابع عشر، بابا الفاتيكان، الأخيرة حول نبذ العنف واستعمال القوة ورفضه لكل أشكال الحروب وإراقة الدماء، يجد أنها تتقاطع مع الموقف الدبلوماسي الذي تتبناه الجزائر، والتي تجدد دائمًا دعوتها إلى الحوار والسلام والتعايش بين الشعوب، فضلًا عن عدم التدخل في شؤون الدول. وهذا ما يبرز أهمية الزيارة في هذا المجال، باعتبار الجزائر منارة للسلام.
وقال في هذا الصدد: “إن مفهوم السلام والتعايش لا ينبغي أن نربطه باستغلال سياسي أو بسياقات تاريخية معينة، بل ينبغي النظر إليه كقيمة في حد ذاتها. فهذه المفاهيم تستمد زخمها من شعوب عاشت القهر والإذلال ودفعت الغالي والنفيس من أجل كرامتها.”
ف. س
جريدة الجزائر اليومية الجزائرية